محمد حسين هيكل
182
حياة محمد ( ص )
حصار بني قينقاع وخرج المسلمون فحاصروا بني قينقاع في دورهم خمسة عشر يوما متتابعة لا يخرج منهم أحد ولا يدخل عليهم بطعام أحد ، حتى لم يبق لهم إلا النزول على حكم محمد والتسليم بقضائه . وسلموا ، فقرّر محمد ، بعد مشورة كبار المسلمين ، قتلهم جميعا فقام إلى عبد اللّه بن أبيّ بن سلول ، وكان لليهود كما كان للمسلمين حليفا ، قال : يا محمد أحسن في مواليّ . فأبطأ عليه النبيّ فكرّر الطلب ، فأعرض النبيّ عنه فأدخل يده في جيب درع محمد ، فتغيّر محمد وقال له : أرسلني ؛ وغضب حتى رأوا لوجهه ظللا ، ثم أعاد وأثر الغضب في نبرات صوته : « أرسلني ويحك ! » . قال ابن أبي : لا واللّه لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ ! أربعمائة حاسر وثلاثمائة دراع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة ! إني واللّه امرؤ أخشى الدوائر . وكان عبد اللّه لا يزال ذا سلطان في المشركين من الأوس والخزرج ، وإن كان هذا السلطان ضعف بقوة المسلمين . فرأى النبيّ في إلحاحه ما جعله يعود إلى سكينته ، وخاصّة بعد إذ جاء عبادة بن الصّامت يحدّثه بحديث ابن أبيّ ؛ إذ ذاك رأى أن يسدي هذه اليد إلى عبد اللّه وإلى المشركين موالي يهود جميعا حتى يصبحوا مدينين لإحسانه ورحمته ؛ على أن يجلو بنو قينقاع عن المدينة جزاء لهم على صنيعهم . وقد حاول ابن أبي أن يتحدّث مرة أخرى إلى محمد في بقائهم ومقامهم . ولكن أحد المسلمين حال دون ابن أبيّ ولقاء محمد واشتجرا حتى شجّ عبد اللّه . فقالت بنو قينقاع : واللّه لا نقيم ببلد نشجّ فيه يا بن أبي ولا نستطيع عنك دفاعا . وعلى ذلك سار بهم عبادة بعد الذي كان من تسليمهم وإذعانهم تاركين المدينة ، تاركين وراءهم السلاح وأدوات الذهب الذي كانوا يصوغون ، حتى بلغوا وادي القرى . هناك أقاموا زمنا ، ومن هناك احتملوا ما معهم ، وساروا صوب الشمال حتى بلغوا أذرعات على حدود الشام ، وبها أقاموا . ولعلهم إنما استهوتهم إلى الشمال أرض المعاد التي كانت وما تزال تهوي إليها أفئدة اليهود . الوحدة السياسية في المدينة ضعفت بالمدينة شوكة اليهود بعد جلاء بني قينقاع عنها . فقد كان أكثر اليهود المنتسبين إلى المدينة يقيمون بعيدا عنها بخيبر وبأمّ القرى . ولهذه النتيجة كان يقصد محمد من إجلائهم . وهذا تصرف سياسيّ آية في الدلالة على الحكمة وبعد النظر . وهو مقدّمة لم يكن منها بدّ للآثار السياسية التي ترتّبت بعد ذلك على خطة محمد ؛ فليس شيء أضرّ على وحدة مدينة من المدن من تنازع الطوائف فيها . وإذا كان نضال هذه الطوائف لا بدّ منه فهو لا بدّ منته . إلى تغلب طائفة على سائرها غلبة تنتهي إلى سيادتها . وقد تحدّث بعض المؤرخين منتقدا تصرّف المسلمين إزاء اليهود ، زاعما أن حكاية المسلمة التي ذهبت إلى الصائغ كان من اليسير إنهاؤها ما دام قد قتل من المسلمين رجل ومن اليهود رجل ، وقد نستطيع دفع هذا القول بأن مقتل اليهوديّ والمسلم لم يمح ما لحق من إهانة في شخص المرأة التي عبث اليهوديّ بها ، وأن مثل هذه المسألة عند العرب ، أكثر منها عند غيرهم من الأمم ، جديرة أن تثور لها الثائرات ، وأن يقوم من أجلها القتال بين قبيلتين أو طائفتين سنوات متتابعة . وفي تاريخ العرب من ذلك أمثال يعرفها المطلعون على هذا التاريخ ، ولكنّ هنالك إلى جانب هذا الاعتبار اعتبارا آخر أقوى منه . فحادث المرأة كان من حصار بني قينقاع وإجلائهم عن المدينة ما كان مقتل وليّ عهد النمسا بسيراجيفو سنة 1914 من الحرب الكبرى التي اشتركت فيها أوروبا جميعا . هو إنما كان الشرارة التي ألهبت ما تؤجّج به نفوس المسلمين واليهود جميعا لهبا أدّى إلى انفجارها وإلى كل ما يحدث الانفجار من آثار . والحقّ أن وجود اليهود والمشركين والمنافقين إلى جانب المسلمين بالمدينة وما أذكى ذلك من أسباب الفرقة ، قد جعل